الصفحات

الثلاثاء، 26 يونيو 2012

عدنان زي الحُصان!

كان يا ما كان في "حاضر الزمان" طفلٌ اسمه "عدنان"، يدرس في الصف الثاني الابتدائي في إحدى مدارس أبها، كان عدنان مميزا بين أقرانه بالحضور الطاغي والذكاء وفصاحة اللسان، وكطبيعة الأطفال في سنه يحب اللهو ولا يطيق الجلوس.. عاد إلى المنزل ذات يوم في رقبته "كيس دهني"، وفي لهجات محلية "حبة" أو "نفرة"!.
***
لم تكن والدته خائفة من الكيس الدهني، خوفها على ابنها كان بسبب درجة الحرارة المرتفعة، لذلك قررت أخذه إلى مستشفى عسير المركزي حيث الطبيب الذي فحصه مصري الجنسية، الدكتور أصر أن الحرارة بسبب "الكيس الدهني"، مشخصا إياه على أنه تجمع دموي شبيه بجلطة صغيرة، لذلك قال لها: ما تخافيش.. حينام عندنا وندّيه مسّيلات للجلطة، ومفيش كلها كم ساعة ويئوم زي الحُصَان!".
***
الأم القلقة قررت البقاء مع ابنها حتى تراه "زي الحُصَان"، إلا أن ابنها تضاعفت أعراضه ليبدأ ورم غريب في رأسه الانتفاخ، وتم نقل عدنان إلى العناية المركزة بعد دخوله غيبوبة تامة، وتحولت الأم من "قلقة" إلى "مكلومة" خلال يومين فقط، حينها قررت الارتجال وبدأت التفكير فعليا في نقله بأقصى سرعة إلى أحد المراكز الطبية الكبيرة في الرياض، وفعلا وبمبادرات أهل الخير نقلته في اليوم الخامس إلى مستشفى الملك فيصل التخصصي في الرياض، وهناك تم تخصيص كورسات علاج مكثفة من خلال أكبر اختصاصي الأورام في المستشفى، إلا أن "عدنان" فقد أكثر من 70 % من خلايا الدماغ بموتها، وبعد أن أفاق من الغيبوبة اتضح أنه عاد طفلا آخر غير الذي كانت تعرفه والدته!.
***
أطباء "التخصصي" أقروا بأن ما حدث للطفل كان بسبب خطأ طبي في مستشفى عسير المركزي، ودكتورة الأعصاب الشهيرة "سعاد يماني" أبلغت أم عدنان أن طفلها سيكون هكذا أبد الدهر، فالعلم لم يتوصل إلى طريقة لإحياء الخلايا الميتة، وعليها تقبل حالة "عدنان" مع أجهزته الجديدة التي تساعده على البقاء حيا!.
***
أم "عدنان" التي كانت تعمل في الغرفة التجارية في أبها، قررت ترك عملها بعد استنفاد كل رصيد إجازاتها، بعد أن خيروها بين المباشرة أو الاستقالة، فاختارت قرار قلبها للبقاء بجانب طفلها، ولأنها "مطلقة" استعانت بالضمان الاجتماعي - وكانت قبل ذلك "مطلقة" لكنها تعمل ولا تحتاج ضمانا! - أبناءها الآخرون معها في الرياض توزّع وقتها بينهم وبين "عدنان" في المستشفى، حتى قرر المستشفى إخراجه لعدم وجود علاج لحالته، ترافقه أجهزته إلى الملحق الذي أجرته في سطح أحد المنازل!
***
ولأنها تحتاج إلى مسكن وغذاء لأبنائها، قررت "أم عدنان" البحث عن عمل، ومنذ أعوام وهي على هذه الحال، حالها حال كثيرين من أبناء بلدي يبحثون عن ستر الحال بوظيفة تسد رمقهم عن السؤال، إلا أن بحثها أعياها كما أعيا كثيرين مثلها!
***
http://www.al-jazirahonline.com/2012/20120623/acr13988.htm  

في هذا الرابط قصة "عدنان" وأمه كما كتبتها الزميلة أحلام الزعيم في الجزيرة أونلاين بالصور، تحلم بأمرين لا ثالث لهما، علاج لابنها للخروج من مأساة "اللا حياة" التي يعانيها، الآخر منزل يؤويها هي وأبناءها، وأزيد من عندي إن منعتها عزة نفسها من السؤال، مبلغا شهريا تخصصه وزارة الصحة للمريض ومرافق مختص له، وأزيد أيضا محاسبة المسؤول عن الخطأ الذي أودى بمستقبل "بني آدم" وأحلام أم، فأربعة أعوام طويلة جدا على إنهاء قضية في وزارة ما، فكيف بخطأ واضح كهذا قرروا حبسه في لجنة الأخطاء الطبية في الشؤون الصحية لمنطقة عسير منذ سنتين!
***
معلومات "قد" تهمك:
"الشخص الذي كُلف بالتحقيق في قضية "خطأ" عدنان الطبي من وزارة الصحة، قبل إغلاق ملف القضية تم نقله من موظف في إدارة الأخطاء الطبية، إلى وظيفة: مدير المناوب في مستشفى عسير المركزي!
"تذكرون الطبيب الذي قال لأم عدنان: "كم ساعة وحيبئى زي الحُصان"؟ يتمتع بإجازة قدمها من أول يوم دخل فيه عدنان العناية المركزة، ولم يعد!
"تعرفون أم عدنان؟ حتى الآن تبحث عن وظيفة!



رابط المقال في الجزيرة أونلاين:
http://www.al-jazirahonline.com/2012/20120624/wr14085.htm

الثلاثاء، 5 يونيو 2012

مناحي هود!


(تظنون أنكم تمتدحوني عندما تسمونني: اللص الشريف، إلا أنكم تسيئون لي.. أنا لست لصاً، أنا رجلٌ يعيد المسروقات إلى أصحابها بكل وسيلة تتاح لي!) روبن هود
***
لا أحب الأرقام ولا علومها، إلا أني مضطر بحكم عملي أن أتعامل معها، قد أتحسسها أحيانا، قد تمر غاضبة مني أحايين كثيرة حانقة من جهلي، وفي مرات نادرة تصفعني لأنتبه! إحدى هذه المرّات كانت السبب في كتابتي لهذا المقال، لذلك أنا في حالة انتباه قسرية قد أحتاج إلى مثلها مع من يقرأني هنا!
***
المعادلة الأولى: عدد المستفيدين من الضمان الاجتماعي في السعودية "غير معروف" حتى الآن، فوزارة الشؤون الاجتماعية تتحدث بالأرقام عن "حالات" لا عن أفراد، ربما تكون الحالة تتكون من ثلاثة أفراد، حالة أخرى تتكون من ثمانية أفراد، وفي أحيان قد تكون الحالة عبارة عن أرملة واحدة فقط لا غير! لذلك وفي هذه المعادلة بالذات لن يستطيع أفضل عالم رياضيات في العالم أن يستنتج عدد المستفيدين من خدمات الضمان الاجتماعي إلا في حالة واحدة هي: إذا أعلنت الوزارة عن عدد الأفراد لا الحالات، وهذا ما لم يحدث حتى يومنا هذا! ورغم المحاولات المتكررة لصحافيين ومهتمين بالدراسات الاجتماعية في المملكة، إلا أن الوزارة تتحفظ على رقم المستفيدين وتعلن رقم الحالات! وتتعامل مع هذه المعلومة كأملاك خاصة لا يجب أن يلمسها أحد! السبب؟ لا أعلم.. ولكني قد أستنبط بعض الإجابات التي قد تكون إحداها: أن عدد الفقراء المحتاجين لخدمات الضمان الاجتماعي في المملكة، يؤدي إلى استنتاجات لا تريد الوزارة لأحد استنباطها!
***
المعادلة الثانية: وزارة الشؤون الاجتماعية تصرف أكثر من معونة للمستفيدين (الحالات)، حيث يوجد معونة ثابتة تدخل ضمن الراتب الشهري الذي تصرفه للمستفيدين (كمعونة الغذاء) ومعونات متغيرة تُصرف بشكل متقطع (الكسوة، الاحتياجات المدرسية للحالات التي يوجد ضمنها طلاب، الموسمية كإعانة رمضان والعيد)، أما آلية الصرف فقد وصلت إلى آلية "متطورة"، حيث فتحت حسابا بنكيا لكل "حالة"، بحيث تتسلم كل حالة بطاقة صراف آلي لسحب المبلغ المستحق في موعدٍ شهري معلوم، ولكون الوزارة هي المعنية بخدمة المحتاجين والفقراء، كان لزاما اختيار بنك ذو توجه محافظ في ذهنيات البسطاء، لذلك اختارت مصرف الراجحي لتوقع معه اتفاقية "المساعدات الضمانية"، تنص على "تقديم الخدمات المصرفية" للمشمولين بمعاشات الضمان الاجتماعي ومساعداته، وتقضي بـ "إحلال الإيداع الآلي" للمساعدات الضمانية بدلاً من الشيكات.. عنوان عريض لاتفاقية أعلن عنها في وسائل الإعلام لكنها لم تكشف عن بنودها رغم هذا الإعلان!
***
المعادلة الثالثة: في تطور يعكس الثورة التقنية التي يعيشها العالم، انتقل "سرا" صرف المستحقات من صناديق فروع "الوزارة" إلى مكائن الصرف الآلي لمصرف الراجحي، إلا أن حسابات "المستفيدين" بلا أرقام! ولا يمكن إتمام أي عملية بنكية لأي بطاقة صرّاف آلي لمن يملكونها سوى السحب في "الموعد المعلوم"! لا تحويل ولا تسديد ولا إيداع يمكن أن يكون لغير إيداع "الوزارة" في الموعد المعلوم، وعندما يطلب "صاحب الحساب" من أحد فروع المصرف إعطاءه رقم حسابه الذي يملك بطاقة صرّاف له يؤكدون له عدم قدرتهم على إعطاء أي معلومة لهذا النوع من الحسابات، ولا يملكون القدرة على إجراء أي عملية لها، والدليل أن صرفها تم عن طريق "الوزارة" لذلك هو يتبع لنظام خاص تسيطر عليه "الوزارة" لا "المصرف"!
***
المعادلة الرابعة: حسابات المستفيدين لم تعد كما كانت في السابق، حينما كانت أرقام المبالغ التي تصلهم معروفة سلفا، فهناك المعونات الشهرية الثابتة والمقطوعة، لذلك فإن الفرحين بزيادة الـ 80 ريالا ً مثلا كمعونة غذاء هذا الشهر، يعلمون أن "الوزارة" أضافت لهم إحدى المعونات وماهيتها، لكنهم يجهلون نسبة الزيادة التي تختلف شهريا على الحالة نفسها، كما أنها بطبيعة الحال تختلف من حالة إلى حالة في الشهر نفسه، وبمعنى أكثر دقة: المبلغ المنتهي بصفرين أو خمسة وصفر انتهى زمنه للمستفيدين، إلا من كان حظه يفلق الصخر!
***
المعادلة الخامسة: ولأن آلات الصرف الآلي في المملكة لا تقدم خدمة السحب للفئات النقدية الأقل من 50 ريال، فإن من يحصل على أي مبلغ لا ينتهي بصفرين – وهي حالة نادرة حسب نظام إضافة المعونات الشهرية قد تحصل لمستفيد واحد من 100 ألف - فإن عليه أن "يترك" مبلغا قد يبدأ بريال في حسابه، وقد يصل في حدّه الأعلى إلى 49 ريالا، و"يترك" فعل لا يعني ثبات الشيء على حاله عند تدخل عوامل أخرى!
المعادلة السادسة: مناحي ولدٌ ذكي، نجح بمعدل مذهل في أول ثانوي، ويحلم بأن يتخصص بالهندسة عند التحاقه بالجامعة، لأنه بارع في الرياضيات، ابتسم عندما وجد 27 ريالا باقية في حساب والدته الخاص بمستحقات الضمان الاجتماعي، وقال مخاطباً الآلة: علينا؟ دخل إلى فرع المصرف وأخذ ورقة إيداع كتب فيها في الخانة اللازمة "23 ريال سعودي فقط لا غير"، تقدم إلى الموظف طالباً رقم الحساب لإضافته إلى الورقة، فابتسم الموظف وأجابه أنه لا يستطيع إجراء أي عملية في هذا الحساب سوى "السحب".. و"السحب" فقط! "ارجع لامك الله يصلحك"! مناحي – الله يصلحه - كان يظن أنه سيجد في حساب والدته الشهر المقبل المبلغ الجديد مضافا إليه الـ 27 ريالا المتبقية من المبلغ القديم، إلا أنه لم يجدها حتى اليوم!
***
المعادلة السابعة: عدد الحالات المستفيدة من خدمات الضمان الاجتماعي أكثر من 700 ألف حالة (تختلف الحالات من فرد إلى ثمانية أفراد)، لو أن كل حالة تبقى لها في حسابها البنكي ما لا تصرفه الآلات (من ريال إلى 49 ريال)، على ماذا يمكن أن نحصل كمبلغ إجمالي؟ على "الشاطرين" بالتوافيق الرياضية أن يستخدموا المعادلة ليخرجوا لنا باحتمالات المبالغ الإجمالية!
***
قصة روبن هود الذي يهاجم "اللصوص الأغنياء" ليعطي الفقراء حقوقهم التي سُلبت، زرعت في رأس مناحي فكرة جديدة كلياً، فقد قرر ترك الدراسة ليتعلم رمي السهام!