الصفحات

الأربعاء، 7 مارس 2012

سلالة المجد

مسكين هذا الجندي..
أخبروه أن الصفوف الأول لطالبي المجد فقط..
من يبحثون عن تخليد أسمائهم..
وتوريث سلالاتهم حكايات لا يمحوها الوقت..عنه..!!
صدّق قائده الذي فضّل البقاء في الصفوف الأخيرة.. لأغراض أهم..
فقدّم صدره لأول رصاصة أطلقها العدو.. ربما تكون رصاصتان أو أكثر..
لم تعلم سلالته المنتظرة كم رصاصة استقبلها صدر جدَّهم..
ولم يصل رفاته إلى أرملته، حتى توفيت وهي تفتخر بحملها لبذرة سلالته!!
***
ابنه الوحيد الذي أوكلت إليه مهمة تأسيس "سلالة المجد"، حاول جاهدا أن يعثر على رفات لوالده، وعاد مصابا بـ "فوبيا العظام"! إلا أنه اجتهد بسؤال "رفقاء السلاح"، من عاشوا بعد المعركة التي شاركهم والده مجد انتصارها، فاختلفت الروايات وتعددت، استطاع أن يحصل على أكثر من رواية، حصر أصدقها وأقربها إلى الواقع:
- والدك كان جنديا عظيما، ووطنيا بارزا، قهوته التي قدّمها لنا في الليلة التي سبقت المعركة كانت لذيذة جدا، آخر مرة رأيته فيها كانت أثناء خطاب القائد، ابتسم وتركنا متجها إلى الصفوف الأولى بعنفوان المحب لوطنه.
- استدان مني بعضا من القهوة قبل أيام من المعركة، وقال لي بالحرف الواحد: (إن مت في المعركة، فسيرد ولدي دينك)، رجوته أن يبقى معنا في الصفوف الخلفية، إلا أنه كان متحمسا بعد خطاب القائد!
- نعم أعرفه، كان رجلا طيبا، الوحيد الذي كان يساعدني على نقل الماء لخيمة التجهيزات الخاصة بالقائد، لكنه كان يكتفي بوضع الماء لي دون الدخول معي إلى الخيمة، خوفا من رؤية القائد له حاملا الماء، فيعتقد أنه أقل من أن يحمل بندقية دفاعا عن وطنه، وجهة نظر حمقاء لكنها كانت نبيلة يا ولدي!
- ساعة واحدة قضيتها معه أنا وفصيلتي، كانت كفيلة بإطلاقنا اسم "المغامر" عليه! فقد اتضح تهوره منذ لحظة وصوله إلينا، كنا نترقب خائفين من اقتراب ساعة الصفر، إلا أنه كان يمازحنا ويقلد أصوات الحيوانات، رغم خوفنا إلا أنه أضحكنا كثيرا عندما قلّد صوت القائد! أصوات الرصاص فوق رؤوسنا فرقتنا سريعا، لكني أذكر جيدا أن صوت سقوطه كان آخر الأصوات التي سمعتها منه!

***
رغم انشغال الابن بتأسيس "سلالة المجد"، إلا أنه لم ينس يوما تذكير أبناءه أن جدهم قدم عمره ثمنا لوطنه، وهل هناك أغلى من العمر ليُقدم؟! ورغم انشغال الأحفاد بمواصلة المسيرة لتشجير "سلالة المجد"، إلا أنهم لم ينسوا يوما تذكير أبنائهم أن جدهم قدم عمره ثمنا لوطنه، وهل هناك أغلى من العمر ليُقدم؟!
***
في إحدى قاعات السينما التي تعرض فيلما يحكي عن المعركة التاريخية التي حررت البلاد من طغيان "العدو"، جلس أصغر ورقتين في شجرة "سلالة المجد"، ينتظران مشاهدة محاكاة سينمائية للمعركة التي قُتل فيها جدهما الأول، ليولدا هما بعد مئات السنين حُرَّين يتمتعان بحقوق مدنية كاملة، في الدولة التي شارك جدهما "الأول" في تأسيسها بقهوته وجهده وصوته ودمه وعمره، وهل هناك أغلى من العمر ليُقدم؟!.. خرجا من قاعة السينما وقد أضافا للعلوم البشرية قانونا جديدا أسمياه "قانون سلالة المجد": (من يموت أولا في المعركة، يحصل على أقل مساحة في الفيلم الذي سيحكيها)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق