الصفحات

الثلاثاء، 13 مارس 2012

قصة مبتورة!

"طوبى.. للحنطة".. قالها وهو ينتظر تحت لهيب الشمس التي تنخر رأسه ويتناسى ألمها بالتمايل المصطنع، باب السيارة يجب أن لا يكون مفتوحاً حتى تحضر "مدللة القصر"، فهي لا تطيق حرارة الشمس، ولديه تعليمات مشددة أن يعمل التكييف ما لا يقل عن الربع ساعة قبل ركوبها في المقاعد الجلدية الوثيرة..

(1)
في الانتظار..
 الصمت.. والصورة.. ودقات احتضار..
أشوف بالشارع: سنابل قمح تتمايل..
منابتها اسفلت
حنين لبعضها مالت
.. وأنا من كلها ذقت الحنين.. وملت..
وخنت الصبر..لحظة ..
 واختزلت النور في عيني..
 صنعت بصورتي خبزي.. ولونت النهار!

انتبه إلى صوت حارس القصر يناديه من بعيد، "العمة جاية"... اعتدل في وقفته إلى جانب الباب الخلفي، رفع عينيه بمستوىً لا يُلاحظ معه أنه يحاول استراق النظر، إلا أن انحناءة رأسه خذلت طموح عينيه، بالكاد شاهد جزءها الأسفل وهي تمشي مقبلة إليه، وكأن العالم تحول فجأة إلى صوت كعب يقترب، وقلبه يكاد يختنق في صدره بسبب هذا الإحساس الغريب الذي يجربه في أول يوم عمل له، ركبت السيارة وسحبت عباءتها بيدها إلى الداخل، أغلق الباب برفق ثم تردد قليلا (الذهاب إلى باب السائق يكون من خلف السيارة أم من أمامها؟) وكانت الثانية مشبعة بالارتباك واللغط الذهني، حتى قرر أن يواري سحنته السمراء وارتباكه من الخلف التفافا ويصل إلى مكانه الطبيعي!


(2)
في الانتظار
ولو يجيب الحلم "لحظة حلم" ما تكذب علي.. بالمقعد اقبالي..
على نفس القطار المُتعب.. البالي..
أنا باقي على حالي: طريق.. وثار محدود بـ جدار.. وملح لعيالي..
أبي أشرب من عيونك صبر..
لاجل أنتظر
"
لحظة وصول" وأجوبة .. تنبيك وتسمّي عليك وتشبهك..
"
لحظة وصول" ابلا إياب.. ولا ذبول.. ولا حكي..
ما تشتكي..
من حال تكرار الثبات..الروح تسقيني حياة .. وترجع بنفس الحياة تصبني..
 والصوت يعطيني خياراتي مثل "لحظة وصولي" للحياة:
يا حبني.. أو.. حبني..!


.. التفت إليها بارتباك "نعم"! قالت بحزم: "وجهك قدام"!.. عاد سريعاً إلى وضع وجهه الطبيعي (ملقوف!! وش اللي يخليك تلتفت.. يمكن تكلم نفسها) .. هزت مسامعه كلمة "غبي"! تسمرت عيناه على الزجاج الأمامي، لم يعد يرى ما وراء الزجاج! أكملت: "لا مو غبي، أنا الغبية اللي وافقت العم حسن على توظيف من لا أعرف"، ابتلع ريقه غضباً لا خوفاً!.. هو يحتاج إلى الرد عليها بقوة إلا أنها استمرت بالحديث "أحسن ما أسوي نفسي زعلانة لا يسوي شي، ما نعرف عنه شي يمكن يكون رد سجون أو ما معه إقامة"! قبل أن يتورط بالرد عليها لمح المرآة الأمامية ليشاهدها ساهمة تراقب خارج السيارة! كيف يسمعها إذن!.. صوتها الغاضب يكاد يخترق طبلة أذنه وهي مطبقة شفتيها!!!..


(3)
كم جنون.. تكون يارا؟
كم حياة بذات سكرات الحيارى؟
كم رغيف تدوس يارا.. قبل ما تقتل طموحات الفقارى؟
.
كم سؤال يعيش.. ما يلقى إجابة..
كم غرابة.. تكبر بنشوة تساؤلنا معاها.. لين خفنا..
تقتفينا بالهروب.. وتبتدينا لا وقفنا..!!


(أسمع أفكارها!!) لوهلة أرعبته الفكرة! إلا أنه سرعان ما بعثر أفكاره منصتاً لها، خوفا من الحالة الغريبة التي أطبقت عليه! أفكارها واضحة تماماً.. ومسموعة! هي خائفة من شخص ما لا تعرفه، واتضح لها في أول دقيقة عمل له أنه معتوه يلتفت بسرعة بلا نداء! هكذا خلص إلى الأمر بعد تحليله السريع، وطفق يفكر بعمق ليختار بين أمرين: إما أن يعترف لها بسماعه أفكارها لينقذ سمعة العم حسن على الأقل ويبرر التفاتته المفاجئة بسماعه لصوت أفكارها رغم جنون التبرير؟ أو يصمت مكملا دون أن ينبس ببنت شفة مغامرا بسمعة الرجل الطيب؟ (خربانة.. خربانة) قالها بلغة شوارعية يتقنها جيدا، وقرر أن يكمل الصمت حتى آخر لحظة من مشواره الغريب، حتى يسمح لنفسه بأطول فترة ممكنة من التفكير بقرار مقلق كهذا!

(4)
 وأنا حنطي.. وهي فوق البياض.. تهيم..
أنا الإسفلت.. يشهقني..وهي: غيمة.. وتزفر: ديم..
تلاوين الوجيه مسوَّرة من عهد ابونا آدم.. إلى عهد اللقا يا ريم..
 ولا ذابت.. ولا خابت.. ولا حتى أجابت عن سؤال الواقفين بضوهم..
قدر هذا السؤال يعيش ناقص جيم!!

هناك تعليق واحد:

  1. عظيم و موجع ومؤلم ومذهل لو كنت تعلم ياسيد الحرف

    ردحذف